مرتضى الزبيدي
422
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الوجه الثالث : مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقا إن شاء اللّه ، إذ قال اللّه تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 4 ] ، فانقسموا إلى قسمين ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله ، وكل إنسان شاك في كمال إيمانه ، فمع المناقضة بين كلاميه تلفيق بين الأحوال المختلفة ، فإن الاستثناء في الآية لا يصح أن يكون من قبيل إحالة الأمور إلى المشيئة ، بل قيل إنه للتبرك بذكر اسمه سبحانه أو للمبالغة في الاستثناء في الأخبار حتى في متحقق الوقوع على أنه قد يقال التقدير : لتدخلن جميعكم إن شاء اللّه لتأخر بعض المخاطبين من أهل الحديبية حيا أو ميتا عن فتح مكة ، أو معنى إن شاء اللّه إذا شاء اللّه وهو تأويل لطيف يرد ما فيه من إشكال ضعيف أو الاستثناء عائد إلى الأمن لا إلى الدخول أو هو تعليم للعباد ، وكذا الاستثناء في الحديث لا يصح أن يكون من باب إحالة الأمور إلى المشيئة ، فإن اللحوق بالأموات محقق بلا شبهة ، بل هو محمول على تعليم الأمة لاحتمال تغيرهم في المآل ، أو على أن المراد بقوله بكم خصوص أهل البقيع مثلا في البلاد ، وبه يظهر لك ما في كلام المصنف بتأمل تام . تنبيه : ما أجاب به الزمخشري عن قوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ من أن يكون الملك قد قاله فأثبته قرآنا ، أو إن الرسول قاله فكلاهما باطل لأنه جعل من القرآن ما هو غير كلام اللّه فيدخل في وعيد من قال : إن هذا إلّا قول البشر ، واللّه أعلم . الوجه الثالث : في صحة الاستثناء ( ومستنده الشك ، ومعناه : أنا مؤمن حقا إن شاء اللّه ) ، وهذا قد أشار إليه أبو منصور البغدادي في الأسماء والصفات ، فقال بعد أن نقل مذهب الأشعري ما نصه : وقد اعتبر بعض أصحاب الحديث فيه تفصيلا حسنا . قال في وصف الايمان : ايماني حق بلا استثناء وإذا وصف نفسه فقال : أنا مؤمن إن شاء اللّه ، واعتبر بعضهم فيه تفصيلا أحسن منه ، فقال : ما الفرق بين مؤمن باللّه ومؤمن عند اللّه ؟ فقال : أنا مؤمن باللّه حقا من غير استثناء وألحق الاستثناء بالمؤمن عند اللّه ، فقال : أنا مؤمن عند اللّه إن شاء اللّه لأن المؤمن عند اللّه هو الذي وعده اللّه سبحانه الجنة والثواب اه . وقال صاحب القوت : الاستثناء في الايمان سنّة ماضية وفعل الأئمة الراضية ( إذ ) الايمان مقامات والمؤمنون فيه درجات ، ولذلك ( قال اللّه تعالى لقوم مخصوصين ) كذا في النسخ كلها . ونص القوت موصوفين ( بأعيانهم : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) [ الأنفال : 4 ] ، فهذا وصفهم بالكمال ومدحهم بخالص الأعمال ، ففيه دليل خطابه أن هناك مؤمنين غير حق . إلى هنا نص القوت زاد المصنف فقال : ( فانقسموا إلى قسمين ) قسم يطلق عليهم أنهم مؤمنون حقا ، وقسم لا يطلق عليهم ذلك ، ( ويرجع هذا إلى الشك في كمال الايمان لا في أصله ) أي : لفظ الايمان يشمل الجميع ، ( وكل إنسان شاك في كمال إيمانه ) أي يميل إليه ( وذلك ليس